فخر الدين الرازي

211

شرح عيون الحكمة

العقل يراعى هذه الشرائط ، والا لما حصل العلم . فيرجع حاصل الأمر إلى أن العقل استعان بحس السمع في سماع ذلك الخبر ، واستعان بحسن البصر في أن رأى تلك الكثرة العظيمة في عدد أولئك المخبرين . ثم اعتبر مقدمات أخرى عقلية مضانة إلى هذا المسموع وهذا المبصر ، ثم استنتج العلم من مجموع هذه الأمور . وحينئذ يظهر أن الحاكم بذلك الحكم هو العقل . فان بديهة العقل حكمت بأن صدور مثل هذا الخبر عن مثل هذا المخبر عنه ، عن مثل هؤلاء المخبرين مع كثرتهم ، يمتنع . الا إذا كانوا صادقين ، وكان الحاكم بذلك هو بديهة العقل . ويرجع حاصل الكلام إلى أن هذه المقدمة مقدمة بديهية أولية وإذا كان هذا قسما من أقسام الأوليات البديهيات ، امتنع أن يقال : ان هذا قسم آخر مغاير للبديهيات . فهذا هو الكلام الملخص في تقرير هذه المبادي . واللّه اعلم . ورجع حاصل كلامنا إلى أن مبدأ المبادي ليس الا المقدمات البديهية . واللّه أعلم . * * * واعلم : ان هاهنا مقدمات قد يغلب على بعض الطباع العامية انها قوية جلية وهي في الحقيقة باطلة ، فيجب التنبيه عليها . وهي سؤالات صعبة على التواتر : المقدمة الأولى : ان من ادعى أمرا من الأمور . فربما قيل له : اذكر له مثالا . فان عجز عن ذكر المثال ظنوا أنه باطل . ومثاله : أنه تعالى ليس في الحيز والجهة . فربما قيل له : انا لا نجد لهذا مثالا من الموجودات ، فكان القول به باطلا . واعلم : أن هذا الكلام باطل . لأن كون الشيء حقا في نفسه لا يتوقف على أن يحصل له نظير ، والا لزم أن يتوقف كل واحد من النظيرين على الآخر ، ويلزم الدور . وهو محال . فثبت : ان حصول الشئ في نفسه لا يتوقف على حصول نظيره . وإذا كان كذلك ، لم يلزم من عدم النظير قدح في حصوله .